عبد الرحمن بدوي

173

الأفلاطونية المحدثة عند العرب

وثابر على تألّف ما يستغنى عنه ، وحد عمّن لا يضرّك أن تحيد عنه . وليكن عملك في الكواكب البابانية « 1 » على هذا القياس ، وكذلك في أهوية البلدان ، وطلوع الأنوار ( و ) تغير الزمان ، أعنى بذلك أن تنسبها إلى أشكالها من العالم العلوي فتدبّره [ 17 ب ] كما تدبر شكله من العالم العلوي . قال أفلاطون : فليكن لك في الأواني وصنعتها نفاذ وحذق واقتد « 2 » فيه بالمحيط بالكل . قال أحمد : كل عمل من الأعمال يعمله النافذ الماهر فهو أصلح وأوفق من عمل الغبىّ المغفّل . فلهذا يشير الفيلسوف بأن يكون لك في صناعة الأواني نفاذ وحذق . ويعنى ب « المحيط بالكل » الفلك في تدويره . ويأمرك أن تكون جميع الأواني المستطيلة وغيرها لا تخلو من جنس التدوير ، لأنه أبعد من التفاوت وأوفق للعمل . قال أفلاطون : وإذا كان المراد من الشئ أن يكون فيه ما في الأركان من الانحلال والانضمام ، فالواجب ما يجب أن يكون في شكل المحيط بالأركان . قال أحمد : إن هذا القول مؤكد لما تقدم . وقد أنبأتك مرارا أن بحركات الفلك ما ينخل الأركان فيصير صفوها إلى العالم العلوي ، وعكرها إلى القعر . فإذا كان يراد من العمل ما يحدث من الأركان ، فالخليق أن تدبر ، أعنى به العمل في المشاكل ، بما يحيط بالمركز . قال أفلاطون : وإنما اضطررنا إلى استعمال المستطيل وغير ذلك من التدابير ، إذ كنّا مقصورين عن تدبير الإله - جلّ وعزّ - وعاجزين عن نصب الأشخاص العلوية . قال أحمد : إنه يقول إنما يضطر أن يحيد عن الشكل المحيط المدوّر في أواني العمل ويتبعه بسائر الأعمال ، إذ كان عاجزا عن تركيب مثل الأشخاص العلوية المحللة والميبّسة والمدبّرة لما يحوى ؛ فلما كان ذلك كذلك ، اضطررنا إلى المستطيل من الإناء للعمل ، لأنه ربما لا يصفو الشئ إلّا بأن تبعد مسافته إلى التصعيد - إلى غير ذلك مما يحدث في العمل

--> ( 1 ) قارن ص 170 س 5 . ( 2 ) ص : اقتدى .